لماذا جذبت مصر استثمارات أجنبية ضعيفة رغم "القانون الجديد"؟

نشر في ابحاث و مقالات عامه

أصدرت الحكومة قانونا جديدا للاستثمار في مايو الماضي، على أمل أن يساهم في زيادة تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة، في مشروعات جديدة توفر فرص عمل للشباب.

لكن مؤشرات الربع الأول من العام المالي الجاري، أظهرت تراجعا في الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى نحو 1.6 مليار دولار فقط، بانخفاض 15.8% عن نفس الفترة من العام الماضي، وإن كان بزيادة 14.3% عن الربع السابق عليه، وذلك بحسب بيانات البنك المركزي.

وقال نعمان خالد، محلل الاقتصاد الكلي بشركة سي آي أستس مانجمنت لإدارة الأصول، إن تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة يرجع إلى عدة عوامل من بينها التضخم المرتفع، وزيادة تكلفة التمويل بسبب الفائدة العالية.

وشهدت مصر معدلات تضخم مرتفعة بعد تعويم الجنيه في نوفمبر 2016، لكنها بدأت تتراجع بشكل واضح في نوفمبر الماضي، لاعتبارات سنة الأساس، والسياسة النقدية المتشددة التي يتبعها المركزي.

ومنذ تحرير سعر الصرف رفع البنك المركزي أسعار الفائدة بنسبة 7%، من أجل كبح التضخم، وامتصاص السيولة من السوق.

وكان من المنتظر أن يساهم تعويم الجنيه وتوفر العملة الصعبة بعد التعويم، في زيادة تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشر، خاصة بعد دعم صندوق النقد الدولي، لبرنامج الإصلاح الاقتصادي في مصر بقرض قيمته 12 مليار دولار تحصل عليه خلال 3 سنوات.

وسجل صافي الاستثمار الأجنبي المباشر 7.9 مليار دولار في العام المالي الماضي، مقابل 6.9 مليار دولار في العام المالي الأسبق، بحسب بيانات البنك المركزي.

وقال محمد البهي عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات، إن تأخر صدور اللائحة التنفيذية لقانون الاستثمار كان سببا رئيسيا في تراجع الاستثمارات الأجنبية.

وأقر مجلس الوزراء اللائحة التنفيذية في نهاية أكتوبر الماضي، أي بعد صدور القانون بنحو خمسة أشهر.

البترول الحصان الأسود

وبرغم أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تحققت في الربع الأول من العام المالي الجاري، تعتبر هزيلة، مقارنة بمستهدفات الحكومة التي تتوقع جذب 12 مليار دولار خلال العام الجاري، فإن بيانات المركزي تشير إلى أن قطاع البترول كان له نصيب الأسد في هذه الاستثمارات.

وقال المركزي، في بيانه عن أداء ميزان المدفوعات، الأسبوع الماضي، إن الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تحققت في الفترة من أول يوليو وحتى نهاية سبتمبر من العام المالي الجاري، "تأتي كنتيجة أساسية لزيادة صافي الاستثمار في قطاع البترول بمعدل 84.2%".

وهو ما يعني أن قطاع البترول كان له الفضل فيما تحقق من استثمارات أجنبية.

تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر منذ بداية 2016-2017

وقال خالد، إن تركز أغلب الاستثمارات الأجنبية المباشرة في قطاع البترول خلال الفترة الأخيرة يعني أن أغلب الاستثمارات المنتظرة في القطاع البترولي تم ضخها وبالتالي ستتراجع هذه الاستثمارات خلال الفترة المقبلة تدريجيا.

"ولحين دخول استثمارات لقطاعات أخرى من الصعب حدوث نمو في الاستثمار الأجنبي المباشر"، بحسب ما قاله نعمان.

وتعول مصر على الاستثمارات الأجنبية المباشرة في القطاعات الإنتاجية، في توفير فرص عمل للشباب، وزيادة مواردها من العملة الصعبة، إذ أن الاستثمارات البترولية لا توفر عادة فرص عمل كبيرة، مقارنة بقطاعات التصنيع والتصدير والزراعة والسياحة.

وأرجع خالد زيادة الاستثمار في قطاع البترول خلال الفترة الأخيرة رغم تسجيل أرقام ضعيفة في إجمالي حصيلة الاستثمار المباشر، إلى أن معظم احتياجات الاستثمار في هذا القطاع مستوردة، وبالتالي هو غير متأثر بما يحدث لأسعار الفائدة على الجنيه.

وزاد نشاط شركات البحث والتنقيب عن البترول والغاز الطبيعي في الفترة الأخيرة مع تشجيع الحكومة لهم عبر سداد جزء من مستحقاتهم لديها، إلى جانب الاكتشافات الأخيرة التي مثلت حافزا لهذه الشركات لمضاعفة جهودها وزيادة استثماراتها مؤخرا.

ومع التوقعات بتراجع الاستثمارات البترولية خلال الفترة المقبلة، يرى نعمان خالد أنه من الصعب تحقيق مستهدفات الحكومة للاستثمار الأجنبي المباشر عند 12 مليار دولار خلال العام المالي الجاري خاصة مع اقتراب إجراء الانتخابات الرئاسية في الشهور المقبلة وترقب المستثمرين لما ستسفر عنه هذه الانتخابات.

لكن على العكس يرى البهي أن مصر مرشحة لجذب عشرات المليارات من الدولارات خاصة من الخليج مع توفر المناخ المناسب لاستثمارها في مصر.

"12 مليار دولار مستهدف الاستثمار الأجنبي خلال العام الجاري هو رقم هزيل لدولة بقيمة مصر ويمكن أن يدخل في يوم، ومشروعات البنية التحتية التي تم تنفيذها خلال الفترة السابقة رغم أنها لم تصب في مصلحة المواطن البسيط إلا أنها تمهد لاستقبال الاستثمارات الخارجية" بحسب البهي.

واتفقا خالد والبهي على أن عام 2018 سيحمل الكثير من الآمال والتحسن بالنسبة للاستثمار الأجنبي المباشر، خاصة مع تراجع معدلات التضخم وأسعار الفائدة، والاستقرار الأمني، وإقرار لائحة قانون الاستثمار مؤخرا، والقضاء على مخاوف المستثمرين والحوافز الجدية.

كما اتفقا على أن الجانب البيروقراطي في ناحية الإجراءات أو ما وصفه البهي بـ "الدولة العميقة" من أبرز التحديات التي تواجه مناخ الاستثمار خلال الفترة المقبلة بعد استقرار الأوضاع المالية والنقدية وصدور قانون الاستثمار.

وقال البهي إن نجاح قانون الاستثمار الجديد متوقف على فاعلية تطبيقه على الأرض، وإنه يجب تفعيل الثواب والعقاب وإدراك قيمة الوقت والتعامل الإلكتروني في إنهاء إجراءات الأعمال، وإدراك الحاجة إلى سرعة القرار في النزاعات مع المستثمرين والعمل على حلها دون اللجوء للقضاء، وهو ما يرسل رسائل إيجابية للمستثمرين الأجانب.

كما أكد البهي الحاجة إلى الترويج ومخاطبة المستثمرين من الخارج وتسويق الفرص الاستثمارية والضمانات التي يكفلها القانون الجديد وأن مصر ما زالت تحقق أعلى عائد للمستثمرين، واستغلال أن هناك بلدانا طاردة للاستثمارات في المنطقة بسبب الظروف التي تمر بها، والمناخ الاستثماري السلبي في أوروبا.

وقال البهي: "نحتاج إلى استكمال الإصلاحات التشريعية وإصدار باقي القوانين المتعلقة بمناخ الاستثمار مثل قانون الشركات، وقانون العمل، وقانون شركات الشخص الواحد، وقانون الإفلاس والصلح الواقي، وإزالة كل ما يتعلق بتقييد الحرية والحبس للمستثمرين ورجال الأعمال".

ويعتقد نعمان خالد أن عام 2018-2019 سيشهد طفرة في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة لمصر بعد أن تصبح رؤية الاقتصاد المصري أكثر وضوحا واستقرارا.

ولكنه يرجح أن تكون تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر مركزة في قطاعات ومناطق بعينها كما كان يحدث قبل ثورة يناير 2011 على الرغم من الحوافز التي يمنحها القانون والدولة للاستثمار في المناطق والمجالات الأكثر احتياجا.

وقال نعمان خالد إن الحوافز المعطاة للاستثمار في المناطق أو المجالات الأكثر احتياجا غير كافية لجذب المستثمرين لها، إلى جانب عدم توفر العمالة المؤهلة للعمل في مثل هذه المجالات.

وبحسب ورقة بحثية صدرت في عام 2014 عن منتدى البحوث الاقتصادية، فإن ثلثي الاستثمارات المباشرة غير البترولية في مصر خلال الفترة من عام 1992 وحتى عام 2008 تركزت في محافظات القاهرة والجيزة والإسكندرية.

ويرى محمد البهي أن زيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة خلال الفترة المقبلة، بالإضافة إلى التركيز على قطاعات معينة بغرض زيادة التصدير، ستزيد من تدفقات العملات الأجنبية وهو ما يؤدي إلى صعود الجنيه أمام هذه العملات وبالتالي تراجع أسعار السلع والخدمات خاصة الأساسية منها للمواطن البسيط.

المصدر: www.masrawy.com

Tags :,